أحمد مصطفى المراغي
23
تفسير المراغي
و روى أحمد أيضا عن عمرو بن عنبسة رضى اللّه عنه قال : « جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم شيخ كبير يتوكأ على عصا له فقال : يا رسول اللّه إن لي غدرات وفجرات ، فهل يغفر لي ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلم : ألست تشهد أن لا إله إلا اللّه ؟ قال بلى وأشهد أنك رسول اللّه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : قد غفر لك غدراتك وفجراتك » . فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة والإخلاص في العمل ، ولا يقنطنّ عبد من رحمة اللّه ، فإن باب الرحمة واسع كما قال : « أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ » وقال : « وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً » . وروى الطبراني من طريق الشعبي عن سنيد بن شكل أنه قال : سمعت ابن مسعود يقول : إن أعظم آية في كتاب اللّه « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » * وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ » وإن أكثر آية في القرآن فرجا في سورة الغرف « قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ » وإن أشد آية في كتاب اللّه تفويضا « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ » فقال له مسروق : صدقت . وبعد أن نهاهم عن القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك ويرفعه ، فيحل الرجاء مكانه . وجاء بما لا يبقى بعده شك ولا يخالج القلب عند سماعه ظن فقال : ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) أي إن اللّه يغفر كل ذنب ، كائنا ما كان إلا ما أخرجه النص القرآني ، وهو الشرك بقوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » * . فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم ، الصادقين في رجائه ، الخالعين ثياب القنوط ، البعيدين عن سوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب ، ولا يبخل